ترى جورجيا فالينتي أن الضربة العسكرية الأميركية في فنزويلا لم تكن حدثاً إقليمياً معزولاً، بل إشارة مدروسة في سياق صراع عالمي أوسع بين القوى الكبرى، حيث تستخدم واشنطن الضغط العسكري والاقتصادي لإعادة رسم موازين النفوذ مع خصومها، وعلى رأسهم الصين وإيران، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

 

تنقل الجيروزاليم بوست هذا التحليل في إطار قراءة دولية لتداعيات إسقاط نيكولاس مادورو، وربطها بملفات الطاقة والعملة والنفوذ الإقليمي في أكثر من ساحة حول العالم.

 

فنزويلا: النفط والدولار في قلب المعركة

 

يقدّم محللون، من بينهم راجات جانجولي، قراءة تعتبر فنزويلا جزءاً من معادلة جيوسياسية عالمية تتجاوز حدود أميركا اللاتينية. فالدولة التي تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مورد رئيسي للصين، ليس فقط من حيث الكميات، بل أيضاً من حيث طريقة التسوية المالية. يشير جانجولي إلى أن بيع النفط الفنزويلي للصين باليوان الصيني شكّل تحدياً مباشراً لهيمنة الدولار، ما رفع فنزويلا من ملف إقليمي إلى اختبار عالمي لقدرة واشنطن على حماية “البترودولار”.

 

يرى المقال أن الضربة الأميركية هدفت إلى توجيه رسالة واضحة: أي محاولة لكسر منظومة الدولار في تجارة الطاقة ستواجه بعواقب قاسية. فالتراجع عن هيمنة الدولار لا يعني مجرد تغيير عملة، بل يهدد الأساس الذي تستند إليه القوة الأميركية اقتصادياً وسياسياً. من هذا المنظور، يصبح مادورو رمزاً لتحدٍ أوسع، لا مجرد رئيس دولة معزولة.

 

الصين وإيران: أوراق ضغط متبادلة

 

يربط التحليل بين فنزويلا وإيران باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأمن الطاقة الصيني. فحرمان بكين من النفط الفنزويلي أو الإيراني يضعها تحت ضغط شديد، ويمنح واشنطن أوراق تفاوض قوية في ملفات متعددة، من التجارة والمعادن النادرة إلى التوازنات الإقليمية. ويذهب جانجولي إلى أن سقوط النظام الإيراني، إذا حدث، سيشكّل ضربة استراتيجية أكبر للصين وروسيا مقارنة بدول الشرق الأوسط العربية.

 

يناقش المقال سيناريو تغيير النظام في طهران، ويرى أن ذلك قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل، عبر إضعاف قوى مسلحة حليفة لإيران، وتعزيز نفوذ واشنطن وحلفائها. في هذا السياق، تبدو فنزويلا كحلقة في سلسلة ضغط تمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، ضمن استراتيجية تهدف إلى تطويق الخصوم بدلاً من مواجهتهم في معركة واحدة مباشرة.

 

تايوان: الرسالة غير المباشرة في شرق آسيا

 

ينتقل المقال إلى شرق آسيا، حيث تتابع تايوان التطورات في فنزويلا عن كثب. فسرعة الضربة الأميركية وتنفيذها من دون تفويض تشريعي لفتت انتباه دوائر الدفاع في تايبيه، التي تدرس السيناريوهات المحتملة لأي هجوم صيني خاطف. يرى محللون أن بكين قرأت الحدث بطريقة مختلفة: لا كتحذير، بل كفرصة.

 

غياب التفويض الرسمي في الضربة الأميركية يمنح الصين، بحسب هذا المنطق، مبرراً إضافياً للتصرف خارج الأطر القانونية الدولية، سواء في بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان. ويشير المقال إلى أن بكين تواصل استعداداتها بهدوء، مع التمسك بخطاب “التوحيد السلمي”، مع جاهزية كاملة لفرض حصار أو اللجوء إلى القوة إذا اقتضى الأمر.

 

منطق «الساحات الخلفية» وخطوط النار الحمراء

 

يبرز المقال عودة مفهوم “مناطق النفوذ” بوصفه المحرّك الأساسي للسياسة الدولية. فالولايات المتحدة، وفق هذا المنطق، تعتبر نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً خاصاً بها، وتتعامل مع أي اختراق صيني أو روسي فيه كتهديد مباشر. في المقابل، ترى روسيا أوكرانيا منطقة عازلة لا تقبل التفاوض، بينما تعتبر الصين تايوان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

 

يخلص التحليل إلى أن الضغوط الأميركية لا تستهدف منع الصين من التجارة أو الاستثمار بقدر ما تسعى إلى حصر دورها في الإطار الاقتصادي، مع منعها من ترجمة قوتها إلى نفوذ سياسي أو عسكري. ويحذّر غانغولي من أن منطق القوة هذا يحمل مخاطر تصعيد غير محسوبة، لأن استفزاز القوى الكبرى قد يؤدي في النهاية إلى ردود فعل تتجاوز الحسابات الأولية.

 

في المحصلة، يربط المقال بين النفط والعملات وسلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة، ليؤكد أن الضربة في فنزويلا ليست سوى حلقة في صراع عالمي يتّسع، حيث قد تتحول الضغوط المحدودة إلى تداعيات متسلسلة تعيد تشكيل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية.

https://www.jpost.com/international/article-882492